قنوات فضائية

المشاركات الشائعة

ضع كود الإضافة هنا (الإضافة تظهر فقط في الرئيسية )
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اسلاميات. إظهار كافة الرسائل
‏إظهار الرسائل ذات التسميات اسلاميات. إظهار كافة الرسائل

0 بحث عن الربا واثارة علي الاقتصاد والازمة الاقتصادية

بحث عن الربا
لملخّص
القرآن معجز من كل الوجوه ومن هذه الوجوه الإعجاز التشريعي، فالقرآن جاء بتشريعات لإصلاح الفرد والمجتمع، ودفع المفاسد عنهم، ومن هذه التشريعات تحريم الربا.[1]
إن القرآن الكريم قد حرّم الرّبا ومنع النّاس من التّعامل به، لما فيه من الظّلم وأكل أموال النّاس بالباطل، وهذا ما كان يدركه المسلمون في صدر الإسلام، وأمّا اليوم فإنّ العلماء والخبراء الاقتصاديّين يدركون أضرار الرّبا ومفاسده تبعاً لتطوّر العمليات الاقتصاديّة ومنها: سوء توزيع الثّروة، وهدر الموارد الاقتصادية، وضعف التّنمية الاقتصاديّة والاستثمار، والتّضخم، البطالة وغيرها، كلّ هذا يدلّ على أنّ هذا التّشريع معجز، وأنّه من عند الله ولا يستطيع البشر أن يأتوا بمثله.
المقدمة:
حديث القرآن عن الرّبا مخيف، وتضمن الوعيد والتهديد الشّديدين للّذين يتعاملون به في كلّ زمان، حتّى وصل التّرهيب منه إلى أنّ الله عز وجل يحارب الذين لا يتركون الرّبا، فقال تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فأذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تُظلمون ))[2]
وبيّن القرآن أسباب تحريم الربا، ويمكن إيجازها فيما يلي:
1- الربا ظلم: تبيّن الآيات الكريمة أنّ حقّ الإنسان أن يأخذ رأس ماله دون زيادة، فالزيادة على النقود مقابل الأجل حرام، وكان هذا التحريم حتى لا يظلم المُربي ولا يُظلم، أي يَظلم الآخرين بالزيادة على رأس ماله مقابل الأجل، وأن لا يُظلم هو إذا زاد الآخرون عليه، ودليل هذا قوله تعالى: (( لا تظلمون ولا تُظلمون ))[3].
قال ابن عباس رضي الله عنهما وقتادة: لا تَظلمون ولا تُظلمون أي لا تزيدون فتأخذون باطلاً لا يَحلّ لكم، ولا تنقصون من أموالكم.[4]
2- الرّبا أكلٌ لأموال النّاس بالباطل: إن الله حرّم الرّبا على اليهود فأخذوه بأنواع الحيل، وأكلوا أموال النّاس بالباطل ودون وجهة حق، بسبب الرّبا وغيره.[5]
ودليل ذلك قوله تعالى: (( وأخذهم الربا وقد نُهوا عنه وأكلهم أموال الناس بالباطل وأعتدنا للكافرين منهم عذاباً أليماً )) [6].
ومن صور أكل أموال النّاس بالباطل ما كان عليه الجاهليّون قبل الإسلام، فعندما كان يحلّ الأجل يزيد في المال إذا لم يستطع القضاء، وهذا حتّى يصير القليل كثيراً مُضاعفاً.[7]
وهذا معنى قوله تعالى: (( يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافاً مضاعفة واتقوا الله لعلكم تفلحون )) [8]
فالمرابون يحصلون على ثمرة جهود الناس حتى تزيد أموالهم، فهم يعطون أموالهم حتى يعطوا أكثر منها، ولكن الله عز وجل لا يُضاعفها ولا يُؤجر عليها.[9]
وبهذا المعنى يقول الله عز وجل: (( وما آتيتم من ربا ليربُوَا في أموال الناس فلا يربوا عند الله وما آتيتم من زكاة تريدون وجه الله فأولئك هم المضعفون))[10].
وبيّن القرآن نتائج الرّبا وعقوبته في الدّنيا والآخرة، ومنها أنّ الرّبا لا يزيد عند الله لا في كمّيّته ولا في بركته، بل ينقصه الله تعالى، ودليل ذلك قوله تعالى: (( يمحق الله الربا ويربي الصدقات والله لا يحبّ كل كفّار أثيم )) [11].
يقول ابن عباس: يمحق الله الرّبا أي يُنقصه.[12]
وبيّن القرآن عقوبه الّذين يأكلون الرّبا، وهي أنّ الله لا يحبّهم بل يكرههم، ووصفهم بالكفر والإثم، وهم الّذين يستحلّون أكل الرّبا وإطعامه.[13]
وبين القرآن حالهم يوم القيامة حيث يقومون من قبورهم كالمجانين والمصروعين ويعذّبون في النار لعدم انتهائهم عن التعامل بالربا، حيث يقول الحقّ جلّ في عُلاه: (( الذين يأكلون الربا لا يقومون إلا كما يقوم الذي يتخبّطه الشيطان من المسّ ذلك بأنهم قالوا إنّما البيع مثل الربا وأحلّ الله البيع وحرّم الربا فمن جاءه موعظة من ربه فانتهى فله ما سلف وأمره إلى الله ومن عاد فأولئك أصحاب النار هم فيها خالدون )) [14]
هذا هو حديث القرآن عن الرّبا، حديث عن أسبابه ونتائجه وعقوبته، والمسلمون في عصر الرّسالة انتهوا عن التّعامل به لأنّ الله حرّمه، إيماناً منهم وتصديقاً بما جاء به العليم الخبير، وكان يعرفون من أسباب تحريمه بأنّه ظلم وأكل لأموال النّاس بالباطل وأنّ الله يمحقه، ولم يكونوا يُدركون الحكم والأسرار لهذا التّشريع العظيم، وكيف يصل الرّبا إلى هذا الظّلم والمحق، وما هي آثاره الاجتماعية والاقتصاديّة على الفرد والمجتمع، لأن ثقافتهم وفكرهم الاقتصادي لا يؤهّلهم لمعرفة مفاسد الرّبا وآثاره على الاقتصاد كما هو الحال اليوم.
إن آثار الرّبا وأضراره ومفاسده – التي اكتشفها النّاس اليوم نتيجة تطوّر العمليات الاقتصادية وتعقّدها – تؤكّد أن تشريع الله في الربا معجز ولا يستطيع أحدٌ أن يأتي بمثله، مما يدلّ دلالة قاطعة على أنّ هذا التشريع من عند الله العليم الخبير، وليس من عند محمد r ولا صحابته، لعدم مقدرتهم على معرفة وإدراك كثير من حكم وأسرار هذه التشريع، وهذا وجه من وجوه إعجاز القرآن الكريم وهو الإعجاز التشريعي في باب الربا.
وبناءً على ما سبق فإنّ الغاية من هذا البحث هي بيان الآثار الاقتصاديّة للرّبا، وجمع الشّواهد والبراهين عليها من واقعنا المعاصر، ممّا يؤكّد أنّ التّعامل بالرّبا فيه مفاسد كثيرة، وأنّ منع التّعامل به فيه مصالح كثيرة للفرد والمجتمع، وهذا يثبت ويبيّن حقيقة الإعجاز الّذي جاء به القرآن في هذا الجانب من التشريع.
وسأتناول هذا الموضوع في المباحث التالية:
المبحث الأول: سوء توزيع الثروة
المبحث الثاني: هدر الموارد الاقتصادية
المبحث الثالث: ضعف التنمية الاقتصادية والاستثمار
المبحث الرابع: التّضخّم
المبحث الخامس: البطالة
ثم الخاتمة وأهم نتائج البحث.
المبحث الأول: سوء توزيع الثروة

صورة لعالم الاقتصاد الألماني المعروف شاخت مدير بنك الرايخ الألماني سابقا
تتركز عملية الإقراض بفائدة [15] ( الإقراض الرّبويّ ) على الأشخاص القادرين على تقديم ضمانات تسديد القروض وفوائدها، وهو ما يؤدّي إلى تركّز ثروة البلاد في أيدي عددٍ قليل من الأشخاص [16]
وتأييداً لهذا المعنى يقول الدكتور شاخت الألماني(Hjalmar Schacht) الجنسيّة والمدير السّابق لبنك الرّايخ الألماني(Reichsbank): "إنّه بعمليّة غير متناهية يتّضح أن جميع مال الأرض صائر إلى عددٍ قليل جداً من المرابين، ذلك لأنّ المرابي يربح دائماً في كل عمليّة، بينما المدين معرّض للرّبح والخسارة، ومن ثمّ فإنّ المال كلّه في النّهاية لابدّ بالحساب الرّياضيّ أن يصير إلى الّذي يربح دائماً" [17].
ومن مظاهر سوء توزيع الثّروة تسخير العمل لحساب رأس المال، حيث يقوم الإنتاج على عنصرين: العمل والمال، والعمل هو الأساس الأوّل، لأنّه هو الّذي يوجد المال في الأصل، وموجب ذلك أن يتحمّل كل من العنصرين نصيبه من الرّبح والخسارة، فإذا أشركنا صاحب المال في الربح، وجب أن يشترك في الخسارة النّازلة، غير أن الفائدة تهدم هذا البنيان الطّبيعيّ، وتسخّر العمل لحساب رأس المال، لأن المنتج وهو المدين دائماً، يضمن للمرابي رأس ماله، ونصيبه من الربح، دون أن يشارك هذا الأخير في الخسارة النّازلة.[18]
وبناءً على ما سبق فإنّ الّذين يتركّز عندهم المال فئتان:
الفئة الأولى: المرابون الّذين يقرضون المال ويربحون دائماً.
الفئة الثانية: الأشخاص الأغنياء المقترضون القادرون على تقديم ضمانات تسديد قروضهم.
وهذا يؤدي إلى تداول المال بين المرابين والأغنياء القادرين على تقديم ضمانات مما يجعل المال متداولاً بين هؤلاء وهو مخالف لمنهج الإسلام.
إن منهج الإسلام يقوم على توزيع المال بين الناس، وتداوله وحركته بينهم، ولذلك جعل علّة توزيع الفيء – كأحد مصادر المال في الإسلام – على المستحقّين منع تركيز المال في أيدي الأغنياء فقط، بل يتداول بين الناس، لقوله تعالى: (( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولةً بين الأغنياء منكم وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا واتّقوا الله إنّ الله شديد العقاب))[19].
إن الطريقة الإسلامية يهمّها أن يكون الأشخاص القائمين على المشاريع من أهل الأمانة والخبرة والالتزام، وهذا يؤدي إلى تحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الثّروة والدخل بين الناس.[20]
إن ربّ المال – في نظام المشاركة الإسلامي – لا يطلب ضمانات، لأنّه هو الضّامن للمال، بحيث يتحمّل خسرانه إذا وقع مقابل تحمّل العامل ضياع عمله.[21]
وهذه المقارنة منطقيّة تقبلها العقول السليمة، فلو قسمنا الناس إلى فئتين: فئة تقرض بفائدة وفئة تقترض بفائدة، أمّا التي تقرض فتربح دائماً، وأمّا الّتي تقترض فهي معرّضة للربح والخسارة، فإذا تم تداول كمية من المال بين هاتين الفئتين، فإن هذه الكمية صائرة إلى الذين يربحون دائماً، لأنهم يسترجعون رأس المال مضافاً إليه الفائدة، أما الفئة الأخرى فهي معرّضة للخسارة وأغلب الظّنّ أنّها ستحصل ولو لمرّة واحدة، فيتمّ تسخير جهدهم وعملهم لخدمة رأس مال الفئة الأولى.
ويمكن توضيح ذلك في الشكل التالي:
المقرضون ( ثلاثة أشخاص ) المقترضون ( ثلاثة أشخاص )
أ رأس المال + الفائدة د يربح أو يخسر
ب رأس المال + الفائدة هـ يربح أو يخسر
ج رأس المال + الفائدة و يربح أو يخسر
احتمال الربح 100% احتمال الخسارة50%
احتمال الخسارة 0% احتمال الخسارة 50%
المقرضون المقترضون
1-لا يشاركون في الخسارة 1-يربح أو يخسر
2-يسترجع رأس ماله مضافاً إليه الفائدة 2-تم تسخير عمل هؤلاء وجهودهم لخدمة رأس مال المقترض
فالمعقول بعد هذا البيان، وبعد هذه الافتراضات أنه إذا كانت كميّة المال محدودة، فإنّها صائرة إلى الّذي يربح دائماً، لأنّه ضمن أن يعود له رأس ماله مُضافاً إليه الفائدة، ولا يتحمّل خسارة، أمّا المقترضون فإنّهم يخضعون لاحتمالات الرّبح والخسارة مما يُبعد احتمال تركّز المال عندهم، بل يرتكز المال عن المقترضين.
وبناءً على ما سبق لا يمكن لنظام الفائدة أن يُعالج مشكلة الفقر أو يصلح الدول الفقيرة، فالنّزيف مستمر من الفقراء إلى أصحاب المال، وأصحاب المال تزيد أموالهم زيادة مستمرّة، فالأغنياء يزدادون غنىً والفقراء يزدادون فقراً، ومديونيّة الدّول الفقيرة في ازدياد وفوائد هذه الدّيون في ازدياد أيضاً، وأضرب مثالاً على هذا مديونيّة بلدي الأردن وفوائدها في الجدول التالي:
جدول رقم (1) يبيّن مديونيّة الأردن وفوائدها [22]

نلاحظ من البيانات التي تتعلق بخدمة الدين العام الخارجي أنه بالرغم من دفع الأقساط والفوائد إلا أن رصيد الدين العام يزيد وتبقى الدولة مدينة، وتخضع لإملاءات الدول الغنيّة المقرضة، وهو نوع جديد من أنواع الاستعمار والاستعباد الفكري والاقتصادي والاجتماعي ولكن في ثوب جديد.
إنّه الظّلم وأكل أموال الناس بالباطل الذي نصّ عليه القرآن الكريم، وهذا وجه من وجوه إعجاز هذا التشريع الخالد الذي جاء به القرآن الكريم.
المبحث الثاني: هدر الموارد الاقتصادية
ينتج هذا عند الإقراض بفائدة لأموال لا يتم توجيهها إلى أنشطة ومشاريع ذات جدوى ومنفعة حقيقية لحياة الناس.[23]
فيتمّ توجيه الاقتصاد وجهةً منحرفة من مشروعات صناعيّة وتجاريّة إلى نوادٍ للقمار والعهر والفساد بما يعود بالضّرر على المجتمع، وكذلك تشجيع الناس على المغامرة والإسراف، بتسهيل وضع المال في أيدي المغامرين والجهلة والمسرفين.[24] فيؤدي هذا إلى هدر الموارد الاقتصادية.
إن هدر الموارد الاقتصادية ينتفي في الطريقة الإسلامية التي ينبغي أن توظّف الأموال في مشاريع ذات منفعة حقيقيّة لحياة الناس وللدورة الاقتصادية في البلاد. فالأموال في النظام الإسلامي لا تمنح كقرض لا يُعلم إلى أين يتّجه ؟ إلى سلع استهلاكيّة أو متع ترفيهيّة أو أدوات كماليّة.[25]
إن أموال البنوك الإسلامية مثلاً إذا شاركت في عملية استيراد فهي أموال حقيقةٌ وليس ائتماناً مخلوقاً ولا إضافة لكمّيّة النقود المتداولة... وهي تنْزل إلى السوق سلعاً مطلوبة، فإذا بيعت استردّ البنك الإسلامي أموالاً أكثر مما دفع.[26]
ودليل ذلك ما نشاهده اليوم عند كثير من الناس الذين يقترضون بالفائدة من أجل أدوات منزلية كمالية كالثلاجات والغسالات والتلفزيونات والفضائيات، أو سلع استهلاكية كالطعام والشراب ونحوه وخلويات وسيارات وحواسيب للترف والترفيه، وإنني أرى أن الناس ينفقون ملايين الدنانير الأردنية مثلاً على كلام في الخلويات لا ينفع، بل كثير منه يضر، وهكذا في كثير من السلع.
إن التمويل الربوي يؤدي إلى سهولة المداينات دون أي ارتباط بالنشاط الاقتصادي الفعلي، وهذا بدوره يؤدي إلى نتيجتين هما:
أولا: تفاقم الإنفاق الاستهلاكي، لأن نسبة كبيرة من القروض الفردية ستوجّه إلى الحاجات الآنية على حساب الاحتياجات المستقبلية، وهذا يعني اختلال أنماط الإنفاق في المجتمع، مما يجعل الأفراد أكثر اعتماداً على الديون لتسيير حياتهم اليومية، وكلما كانت آليات الإقراض النقدي أكثر تيسيراً كلما ازداد اعتماد الأفراد عليها، ويصبح الأمر مثل كرة الثلج لا تزداد مع التدحرج إلا ضخامة.[27]
ومثل ذلك فيما إذا اشترى شخص ثلاجة لأجل بمئة وخمسين ديناراً، فمنفعة الثلاجة يقابلها الزيادة في الثمن للأجل، وهذا نشاطٌ اقتصادي فعلي وهو البيع لأجل. أما إذا اقترض شخصٌ مئة دينار على أن يردها مئة وخمسين ديناراً، فمنفعة المئة دينار يقابلها الزيادة على النقد بسبب الأجل، وهذه المنفعة قد لا يقابلها ما ينتفع به المدين، فقد يسدد ديناً، أو ينفق على أهله، أو يتوسّع في الاستهلاك كشراء المأكولات والمشروبات ونحوها وهذا هو القرض لأجل.
ودليل ذلك أن التداول النافع للسلع من المصالح الكليّة، وهو الذي يجعل السلعة متاحة لأكثر الناس انتفاعاً بها، ويؤدي إلى تحريك السوق.[28]
وبالنظر في المثال السابق يمكننا التفريق بين الربح والربا بما يلي:
1- الزيادة في البيع والتجارة هي مقابل إيجاد السلعة، أما الزيادة في الربا فهي أجرة على مجرد التأجيل.
2- الزيادة في البيع والتجارة هي زيادة في معاوضة صحيحة بين شيئين مختلفي الأغراض والمنافع، فتكون الزيادة في مقابل منفعة مقصودة ومطلوبة في البدل المقابل. أما الدين فلا معاوضة فيه على الحقيقة، لأن بدليه من جنس واحد، ولأنه واجب الرد بمثله من جنسه بلا زيادة ولا نقصان، فكانت الزيادة فيه بغير عوض يقابلها.[29]
3- إن الشيء المبيع يؤخذ ربحه مرة واحدة، ومع ذلك فالغالب أن يستمر نفعه مدداً تطول أو تقصر، على العكس من الربا فالدين يستهلك مرة واحدة في حين يستمر الربا في سلسلة لا تنقطع.[30]
4- البيع والتجارة تتضمن مخاطرة من وجهين:
أولهما: مخاطرة انخفاض السعر، أو كساد السلعة وبوارها حينما يريد بيعها.
ثانيهما: مخاطرة الهلاك والتلف، فترة بقائها في حوزته.
ورأس مال الربا لا مخاطرة فيه، بل هو دين مضمون في الذمة، واجب الرد بمثله، فلا يتعرض لأية مخاطرة.[31]
فالإسلام يُعطي لكل نوعٍ من أنواع رأس المال لوناً مناسباً من المكافأة ( الربح ): يعطي رأس المال البشري ( العمل ) أجراً ثابتاً أو مشاركة ( شركة أعمال مثلاً )، ويعطي رأس المال المثلي ( الإقراضي ) ربحاً بالمشاركة دون الأجر الثابت، ويعطي رأس المال القيمي ( الإيجاري ) أجراً دون مشاركة، مثل أجر أدوات الإنتاج كالمحراث والآلات الزراعية ونحوها. كل ذلك بما يحفظ العدالة ويدفع إلى الإحسان.[32]
المبحث الثالث: ضعف التنمية الاقتصادية والاستثمار [33]
من مقاصد النظم المالية الإسلامية والمؤسسات المصرفية الإسلامية المساهمة في التنمية وتحقيقها، وتمويل المشروعات الإنتاجية بنظام المشاركة وفقاً لقاعدة الغنم بالغرم. فالصيغ الإسلامية – كالمضاربة الإسلامية، والمشاركات، والاستصناع والسلم، والمرابحات وغيرها – تتميّز بأنها تتفاعل مع السّلع لتولّد مجموعة من الأنشطة الاقتصادية التي توظّف أكبر عدد من عوامل الإنتاج ومنها عنصر العمل، وتساعد في علاج مشكلة البطالة والفقر وتحقيق الأمن الاقتصادي.[34]
ويرى علماء الاقتصاد أن النقود لا تلد نقوداً، بل لابد من تدويرها من حلبة النشاط الاقتصادي، ثم تنقلب إلى سلع وخدمات، وتتفاعل مع عوامل أخرى لتحقيق النمو والتطور.[35]
إن الفائدة المباحة ( المشاركة مثلاً ) مشجّعة على الاستثمار أكثر من الفائدة المحرّمة الرّبا، لأنّ الاستثمار لا يعود خاضعاً إلى ضغوط آثار المقارنة بين معدّل الفائدة ومعدّل مردود الاستثمار. وفي ظلّ نظام المشاركة وعدم تحديد الفائدة مسبقاً، فإن العلاقة بين رجل الأعمال وأصحاب المال هي علاقة شكر وتضامن وتعاون بالنسبة للنتائج، لا علاقة أنانية واستئثار وصراع كما في نظام الفائدة الثابتة التي يزداد معدّلها كلّما زاد الطلب على المال، واحتاج رجل الأعمال إلى القيام باستثمارات.[36]
أما الإقراض بنظام الفائدة فإنه يؤدي إلى تضييق دائرة التمويل، لأنه يعتمد على ضمانات لا يقدر عليها إلا الأغنياء. ورب المال في نظام الفائدة أقل اهتماماً بنجاح المشروع، ولا تهمّه الأمانة والخبرة والمقدرة في العمل، لأن أكثر ما يهمّه لأن يكون المقترض غنيّاً ومليئاً، وأن تكون فائدته ثابتة، ورأس ماله مضموناً.[37]
وبناءًُ عليه فكلّما توسّع الناس في الضمانات فإنه يؤدي إلى تخفيض التمويل، وهذا يعني تقليل الاستثمار، والذي يأخذ فائدة مضمونة لا يهتم بنجاح المشاريع الاقتصادية، وهذا بدوره يؤدي إلى ضعف التنمية الاقتصادية.
وإن تقلّص دور الضمانات في نظام المشاركة مثلاً يساعد على توسيع دائرة التمويل بحيث تشمل الفئات الأقل من العمال المهرة.[38]
وتوسيع دائرة التمويل يؤدّي إلى زيادة الاستثمار وتشجيعه، بحيث يشمل العمال المهرة كالحدادين والنجارين وأصحاب المعامل الصغيرة على اختلاف حِرفهم.
إن الإقراض بنظام الفائدة يقوم على تحديد سعر الفائدة مسبقاً، وهذا يؤدي إلى حجب بعض المشروعات التي يقل مردودها عن الفائدة الواجب دفعها، أو يساويها، أو لا يزيد عنها إلا قليلاً.[39]
فتحديد سعر الفائدة مقدّماً – قبل أن يعلم أحدٌ قيمتها الحقيقية بالضبط – ظلم للمقترض أو المقرض، فإذا ازدادت نسبة صافي الربح الفعلي عن سعر الفائدة وقع على المقرض ظلم بحرمانه من هذه الزيادة، وإذا قلّت نسبة صافي الربح الفعلي عن سعر الفائدة وقع على المقترض ظلم بإلزامه بسداد الفائدة بالكامل رغم زيادتها على الربح المحقق فعلاً.[40] وهذا بيان للظلم الذي يقع على المقرض أو المقترض بسبب الإقراض بفائدة.
هذا بالنسبة إلى تحديد سعر الفائدة مسبقاً، أما ارتفاع سعر الفائدة فإنه يؤدي إلى إعاقة التنمية الاقتصادية، لأن رجل الأعمال عندما يفكّر في توسيع مصنعه أو إنشاء مصنع جديد يرى أن سعر الفائدة سيلتهم ثمرة عمله فيحجم عن هذه المخاطرة، بل قد يؤثر الكثيرون السلامة والكسل فيودعون أموالهم في البنوك

صورة لعالم الاقتصاد البريطاني جون كنيز


أو شهادات الادخار قانعين بما تدرّه عليهم من فوائد معرضين عن الخوض في مجال التنمية وإيجاد الرزق الحلال والعمل الطيب للناس.[41]
ويؤكّد هذه المعاني الاقتصادي المشهور كينز (John Maynard Keynes) فيقول: إن معدل سعر الفائدة يعوق النمو الاقتصادي لأنه يعطل حركة الأموال نحو الاستثمار في حرية وانطلاق، فإن أمكن إزالة هذا العائق فإن رأس المال سيتحرّك وينمو بسرعة.[42]
وبرهان ذلك أنه من المقرر محاسبيّاً احتساب الفائدة ضمن تكاليف الإنتاج، فتعتبر كأي نفقة من نفقات الإنتاج، مثل الإيجار والنور والمياه.
وبناء على هذا تزيد النفقات كلما زادت الفائدة، وتقل كلما قلت، وبالتالي فإن الأرباح تقل كلما زادت الفائدة وتزيد كلما قلت الفائدة، فارتفاع سعر الفائدة يؤدي إلى انخفاض صافي الربح، وهذا بدوره يؤدي إلى انكماش حجم الاستثمار، وإلى توقّف التكوين الرّأسمالي، وإلى هبوط الدخل القومي، وانخفاض القوة الشرائية، والعكس صحيح، ومن هنا يتّضح أن من مصلحة الاقتصاد القومي القضاء نهائياً على الفائدة.[43]
ومما يعيق التنمية الاقتصادية ويضعف الاستثمار ما تفرضه السياسة النقدية للبنوك المركزية على البنوك الأخرى الخاضعة لها ضرورة الاحتفاظ بنسبة معينة من إجمالي الودائع الخاصة بكل بنك في حساب خاص به لدى البنك المركزي فيما يُعرف بالاحتياطي القانوني بهدف حماية أموال المودعين من ناحية، وتحجيم دور البنوك في زيادة العرض النقدي، هذه السياسة النقدية – التي تلائم المصارف التي تعتمد على نظام الفائدة – تؤدي إلى تعطيل جزء من الأموال التي قدمها أصحابها لتلك المؤسسات بغرض استثمارها.[44]
وهذه السياسة النقدية غير ملائمة للطريقة الإسلامية، فمثلاً نظام المضاربة لا يترتب عليه رد الأموال في أي وقت لارتباطها بمشروعات استثمارية موظّفة بها من ناحية، وارتباطها بمبدأ المشاركة في الربح والخسارة من ناحية أخرى. وقد أدّت هذه السياسة إلى تعطيل جزءٍ من أموال البنوك الإسلامية مما يؤثر سلباً على ربحية هذه الاستثمارات.[45]
ويتلخّص لدينا مما سبق أن نظام الفائدة يعيق التنمية الاقتصادية للأسباب التالية:
1- التوسّع في الضمانات للقرض الربويّ توسّعاً لا يقدر عليه إلّا الأغنياء، وهذا يمنع عاملين مهرة في الاستثمار لعدم وجود ضمانات كافية.
2- اهتمام المقرضين باسترجاع رأس مالهم مضافاً إليه الفائدة أكثر من اهتمامهم بنجاح المشروع.
3- زيادة تكاليف الإنتاج مما يؤدي إلى انخفاض صافي الربح، وهذا بدوره لا يشجع على الاستثمار.
4- الاحتفاظ بالاحتياطي القانوني لكل بنك في البنوك المركزية يعطّل جزءاً من المال عن الاستثمار والإنتاج والمشاركة في التنمية.
المبحث الرابع: التضخم:
يدور مفهوم التضخم حول الزيادة في كمية النقود تؤدي إلى ارتفاع في الأسعار، فهو ظاهرة تتمثل في انخفاض القوة الشرائية للنقود المقترضة أو ارتفاع الأسعار.[46] ومن أسباب هذه الظاهرة زيادة كمية النقود.[47]
وتأييداً لهذا يرى عالما الاقتصاد السويدي فيكسل والإنجليزي كينزان التضخم يحدث عندما تزداد كمية النقود، حيث يزيد الطلب الكلي على السلع والخدمات أكثر من العرض الكلي لهذه السلع والخدمات.[48]
ويفسّر فيكسل ظاهرة ارتفاع الأسعار بالمقارنة ما بين سعر الفائدة النقدي الذي تمارسه البنوك عند الإقراض أي نفقة الاقتراض من البنوك مثلاً والعائد الذي يمكن أن يحققه رأس المال المستثمر ( أي سعر الفائدة الحقيقي ). وتوضيح ذلك:
لنفرض أن سعر الفائدة = ر، فإن المديونية =ك ( 1+ر ) في نهاية الفترة، ولنفرض أن العائد = ز، فتصبح قيمة الناتج – ك ( 1+ز )، ك = كمية النقود، والتوازن النقدي يحصل عندما تكون ز=ر، ويتحقق ثبات الأسعار، ولو قامت البنوك التجارية بتخفيض سعر الفائدة النقدية بالمقارنة بسعر الفائدة الحقيقية، فإنه يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، لأنه يؤدي إلى زيادة الاستثمار ومن ثم زيادة الطلب على عناصر الإنتاج، وارتفاع أسعارها، فتزداد نفقات الإنتاج وتزداد الأسعار، ويؤدي أيضاً إلى زيادة الإنفاق الاستهلاكي مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ولو قامت البنوك برفع سعر الفائدة فإنه يؤدي إلى ارتفاع في كلفة رؤوس الأموال مما يؤدي إلى رفع الأسعار.[49]
ودليل آخر على أثر الفائدة في التضخم أن صاحب المال لا يرضى إذا استثمر ماله في صناعة أو زراعة أو شراء سلعة أن يبيع سلعته أو الشيء الذي أنتجه إلا بربح أكثر من نسبة الربا، لأنه يفكر أنه استثمر المال وبذل الجهد واستعدّ لتحمّل الخسارة، فلابد أن تكون نسبة الربح أكثر من نسبة الربا، وكلما ازدادت نسبة الربا غلت الأسعار أكثر منها بكثير، هذا إذا كانت المنتج أو التاجر صاحب مال، وأما إذا كان ممن يقترض بالربا فرفعه للأسعار أمرٌ بدهيّ، حيث سيضيف إلى نفقاته ما يدفعه من الربا.[50]
ويمكن تعليل ما سبق، وتحليله تحليلاً اقتصادياً يبيّن أثر سعر الفائدة في التّضخّم بما يلي:
من عيوب النظام النقدي المعاصر وجود خلل بين كميّة النقود وكمّية السلع والخدمات، مما يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وهذا بدوره يؤدي إلى ارتفاع سعر الفائدة كمحاولة من الحكومة لامتصاص النقود من السوق، مما يؤدي إلى ارتفاع تكاليف السلع والخدمات ثم ارتفاع الأسعار مرةً أخرى، وهكذا تدور الدورة من جديد وتسبب مضاعفاتها.[51]
ويمكن توضيح ذلك في الشكل التالي:

وبالتّأمّل في هذا الشكل تبيّن ما يلي:
1- إن كمية النقود كثيرة وكمية السلع والخدمات محدودة، ولذلك فإن الحكومات تطبع من الأوراق النقدية كميات كثيرة جداً، مما يؤدي إلى زيادة كمية النقود في البلد ويؤدي إلى الخلل.
2- هذا الخلل يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، وهذا يدفع الدول إلى رفع سعر الفائدة، لإغراء أصحاب المال كي يدفعوها لهم، من أجل امتصاص النقود من السوق، وهذا بدوره يؤدي إلى ارتفاع تكاليف السلع والخدمات، ويؤدي إلى غلاء الأسعار، وهكذا تدور الدورة من جديد، وتبقى الأسعار في دوامة لا تستقر.
وأما دور البنوك في إيجاد التضخم فيؤكده الاقتصاديون الغربيون فيقولون: "البنوك تخلق النقود"، وهذه حقيقة فعليّة في البنوك الرّبويّة التي تخلق نقوداً حسابية بأن تفتح للعميل اعتمادات يسحب منها دون أن يودع لدى البنك نقوداً وبذلك تسهم في إيجاد التضخم، لأننا نراها عندما تحاول الحكومة امتصاص الزائد من النقود في السوق برفع سعر الفائدة علي الودائع، تقوم هذه البنوك بإعادة الأموال للسوق بل وزيادتها بما تمنحه من اعتمادات.[52]
وبناء على ما سبق فإن نظام الفائدة الربوية جعل التضخم ظاهرة عامة تخضع لها كافة الاقتصاديات الصناعية المتقدمة، فالأسعار في ارتفاع مستمر، وقيمة العملات الوطنية في تناقص مستمر، ونفقات المعيشة وأسعار التجزئة تتجه إلى أعلى دائماً.[53]
ويتلخّص مما سبق أن من أسباب ارتفاع الأسعار ما يلي:
1- زيادة عرض النقود في السوق: إنني أرى أن نظام الإقراض بفائدة يؤدي إلى زيادة عرض النقود في السوق وهذا بدوره يؤدي إلى غلاء الأسعار.
ولذلك سنّت السلطات النقدية في معظم الدول النامية رفع الفائدة كجزء من برنامج مكافحة التضخم، لتخفيض طلب المقترضين على القروض، فتحديد الإقراض عامل من عوامل مكافحة التضخم.[54]
2- سعر الفائدة: إن زيادة سعر الفائدة يؤدي إلى ارتفاع الأسعار، ومن العجيب أن خفض سعر الفائدة يؤدي أيضاً إلى ارتفاع الأسعار من وجه، فالأسعار في ازدياد مادام هنالك فائدة، ولا تستقر الأسعار إلا بانعدام الفائدة.
المبحث الخامس: البطالة
أكبر مشكلتين يواجههما الاقتصاد الرأسمالي: البطالة والتضخم، وتزيد معدلات البطالة مع ارتفاع التضخم، فارتفاع الأسعار دون زيادة متناسبة في الأجور سوف تؤدي إلى الإقلال من الطلب على السلع، وبالتالي إلى انخفاض حجم الاستثمار والإنتاج ومن ثم زيادة معدلات البطالة.[55]
لقد ساعدت الفائدة على وجود طبقة من البطالة المقنعة تمثل في هؤلاء المدخرين الذين يقعدون عن العمل اكتفاءً بما توفره لهم الفائدة من دخل ثابت مما يحرم كثيراً من المشاريع من عمل هؤلاء المدّخرين، وكذلك فإن أصحاب الأموال يفضّلون إقراض أموالهم بالربا على استثمارها في إقامة مشاريع صناعية أو زراعية أو تجارية، ولهذا يقلل فرص العمل، فتنتشر البطالة في المجتمعات التي يسود فيها التعامل الربوي.[56]
ويؤدي هذه الفكرة الاقتصادي المشهور كينْز فيقول: ( إن العمالة الكاملة هي الواجب الأول للدولة ولا تتحقق إلا إذا أنزل سعر الفائدة إلى الصفر أو ما يقرب من ذلك، والعمالة الكاملة هي أن يجد كل راغب في العمل فرصته ).[57]
فيرى الاقتصادي كينْز أن علاج مشكلة البطالة يكون بانعدام الفائدة أو بتخفيضها إلى أدنى حد ممكن، وهذا رأي علماء الاقتصاد الذين لا يدينون بالإسلام، مما يدل على أن الإسلام في موضوع الربا معجز (اليابان طبقت مفهوم الفائدة الصفرية منذ 15 سنة فمم جعل اقتصادها يزدهر بشكل سريع).
وأما تعليل ذلك فإن الفائدة تؤدي إلى زيادة أسعار السلع فينقص الطلب عليها وينحسر الاستهلاك مما يؤدي إلى فائض في المنتجات، وقد يلجأ المنتجون في سبيل تخفيض الأسعار إلى تخفيض أجور العمال أو الاستغناء عن بعضهم.[58]
Read more

0 بحث عن ذو القرنين

قال الله تعالىوَيَسْأَلُونَكَ عَنْ ذِي الْقَرْنَيْنِ قُلْ سَأَتْلُو عَلَيْكُمْ مِنْهُ ذِكْرًا (83) إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الْأَرْضِ وَآَتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا (84) فَأَتْبَعَ سَبَبًا (85) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِنْدَهَا قَوْمًا قُلْنَا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْنًا (86) قَالَ أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا (87) وَأَمَّا مَنْ آَمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا (88) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (89) حَتَّى إِذَا بَلَغَ مَطْلِعَ الشَّمْسِ وَجَدَهَا تَطْلُعُ عَلَى قَوْمٍ لَمْ نَجْعَلْ لَهُمْ مِنْ دُونِهَا سِتْرًا (90) كَذَلِكَ وَقَدْ أَحَطْنَا بِمَا لَدَيْهِ خُبْرًا (91) ثُمَّ أَتْبَعَ سَبَبًا (92) حَتَّى إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ وَجَدَ مِنْ دُونِهِمَا قَوْمًا لَا يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلًا (93) قَالُوا يَا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِنَّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجًا عَلَى أَنْ تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدًّا (94) قَالَ مَا مَكَّنِّي فِيهِ رَبِّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْمًا (95) آَتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انْفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آَتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا (96) فَمَا اسْطَاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا (97) قَالَ هَذَا رَحْمَةٌ مِنْ رَبِّي فَإِذَا جَاءَ وَعْدُ رَبِّي جَعَلَهُ دَكَّاءَ وَكَانَ وَعْدُ رَبِّي حَقًّا (98))[سورة الكهف].
ماذا قاله المفسرون و المؤرخون عن ذو القرنين ؟

يذكر تفسير الكشاف للزمخشري : أنه الإسكندر و قيل أنه عبد صالح. نبي. ملك، و ذكر رواية عن الرسول صلي الله عليه و سلم، أنه سمي ذا القرنين لأنه طاف قرني الدنيا يعني جانبيها شرقا و غربا. و قيل كان لتاجه قرنان. كان على رأسه ما يشبه القرنين.. و الإمام ابن كثير : يذكر في تفسيره : أنه الإسكندر ثم يبطل هذا. كان في زمن الخليل إبراهيم عليه السلام و طاف معه بالبيت. و قيل عبد صالح. و أورد في تاريخه " البداية و النهاية " جـ 2 ص 102 مثل ذلك و زاد أنه نبي أو مَلَك. أما القرطبى في تفسيره فقد أورد أقوالا كثيرة أيضا : كان من أهل مصر و اسمه " مرزبان "، و نقل عن ابن هشام أنه الاسكندر، كما نقل روايات عن الرسول صلي الله عليه و سلم، بأنه ملك مسح الأرض من تحتها بالأسباب. و عن عمر و عن على رضي الله عنهما بأنه مَلَك.. أو عبد صالح و هي روايات غير صحيحة. و قيل أنه الصعب بن ذي يزن الحميرى، و كلها روايات و أقوال تخمينية و لا سند لها. أما الآلوسى في تفسيره، فقد جمع الأقوال السابقة كلها تقريبا، و قال : لا يكاد يسلم فيها رأى، ثم اختار أنه الاسكندر المقدوني و دافع عن رأيه بأن تلمذته لأرسطو، لا تمنع من


صورة لأبو الكلام آزاد
أنه كان عبدا صالحا.. أما المفسرون المحدثون فكانوا كذلك ينقلون عن الأقدمين.
موقف أبو الكلام آزاد من هذه الأقوال

لم يرتض أبو الكلام آزاد (عالم الهند المعروف ترجم معاني القرآن إلى اللغة الأوردية) قولا من هذه الأقوال، بل ردها، و قال عنها: إنها قامت على افتراض مخطيء لا يدعمه دليل، و عنى بالرد على من يقول بأنه الإسكندر المقدوني.. بأنه لا يمكن أن يكون هو المقصود بالذكر في القرآن، إذ لا تعرف له فتوحات بالمغرب، كما لم يعرف عنه أنه بنى سدا، ثم إنه ما كان مؤمنا بالله، و لا شفيقا عادلا مع الشعوب المغلوبة، و تاريخه مدون معروف. كما عنى بالرد على من يقول بأنه عربي يمني.. بأن سبب النزول هو سؤال اليهود للنبي عليه الصلاة و السلام عن ذي القرنين لتعجيزه و إحراجه. و لو كان عربيا من اليمن لكان هناك احتمال قوي لدي اليهود- على الأقل- أن يكون عند قريش علم به، و بالتالي عند النبي صلى الله عليه و سلم، فيصبح قصد اليهود تعجيز الرسول عليه الصلاة و السلام غير وارد و لا محتمل. لكنهم كانوا متأكدين حين سألوه بأنه لم يصله خبر عنه، و كانوا ينتظرون لذلك عجزه عن الرد.. سواء قلنا بأنهم وجهوا السؤال مباشرة أو أوعزوا به للمشركين في مكة ليوجهوه للرسول عليه الصلاة و السلام. ثم قال : " و الحاصل أن المفسرين لم يصلوا إلى نتيجة مقنعة في بحثهم عن ذي القرنين، القدماء منهم لم يحاولوا التحقيق، و المتأخرون حاولوه، و لكن كان نصيبهم الفشل. و لا عجب فالطريق الذي سلكوه كان طريقا خاطئا. لقد صرحت الآثار بأن السؤال كان من قبل اليهود- وجهوه مباشرة أو أوعزوا لقريش بتوجيهه -فكان لائقا بالباحثين أن يرجعوا إلى أسفار اليهود و يبحثوا هل يوجد فيها شيىء يلقي الضوء على شخصية ذي القرنين، إنهم لو فعلوا ذلك لفازوا بالحقيقة ".

لماذا ؟ لأن توجيه السؤال من اليهود للنبي عليه الصلاة و السلام لإعجازه ينبىء عن أن لديهم في كتبهم و تاريخهم علما به، مع تأكدهم بأن النبي عليه الصلاة و السلام أو العرب لم يطلعوا علي ما جاء في كتبهم.. فكان الاتجاه السليم هو البحث عن المصدر الذي أخذ منه اليهود علمهم بهذا الشخص.. و مصدرهم الأول هو التوراة.

و أمسك أزاد بالخيط

و هذا هو الذي اتجه إليه أزاد، و أمسك بالخيط الدقيق الذي وصل به إلي الحقيقة.. و قرأ و بحث و وجد في الأسفار، و ما ذكر فيها من رؤى للأنبياء من بني إسرائيل و ما يشير إلى أصل التسمية : "ذي القرنين" أو " لوقرانائيم" كما جاء في التوراة.. و ما يشير كذلك إلي الملك الذي أطلقوا عليه هذه الكنية، و هو الملك "كورش" أو "خورس " كما ذكرت التوراة و تكتب أيضا "غورش" أو "قورش".

هل يمكن الاعتماد علي التوراة وحدها ؟

يقول أزاد : " خطر في بالي لأول مرة هذا التفسير لذي القرنين في القرآن،و أنا أطالع سفر دانيال ثم اطلعت علي ما كتبه مؤرخو اليونان فرجح عندي هذا الرأي، و لكن شهادة أخري خارج التوراة لم تكن قد قامت بعد، إذ لم يوجد في كلام مؤرخي اليونان ما يلقي الضوء علي هذا اللقب.

تمثال كورش

ثم بعد سنوات لما تمكنت من مشاهدة آثار إيران القديمة ومن مطالعة مؤلفات علماء الآثار فيها زال الحجاب، إذ ظهر كشف أثري قضي علي سائر الشكوك، فتقرر لدي بلا ريب أن المقصود بذي القرنين ليس إلا كورش نفسه فلا حاجة بعد ذلك أن نبحث عن شخص آخر غيره ". " إنه تمثال علي القامة الإنسانية، ظهر فيه كورش، و علي جانبيه جناحان، كجناحي العقاب، و علي رأسه قرنان كقرني الكبش، فهذا التمثال يثبت بلا شك أن تصور "ذي القرنين" كان قد تولد عند كورش، و لذلك نجد الملك في التمثال و علي رأسه قرنان" أي أن التصور الذي خلقه أو أوجده اليهود للملك المنقذ لهم "كورش" كان قد شاع و عرف حتى لدي كورش نفسه علي أنه الملك ذو القرنين.. أي ذو التاج المثبت علي ما يشبه القرنين..


صورة لتمثال غورش العظيم في إيران يظهر بوضوح فوق رأسه القرنين



صورة لتمثال غورش العظيم في حديقة أولمبي في سدني
كورش بين القرآن و التاريخ
و مع أن ما وصل إليه أزاد قد يعتبر لدي الباحثين كافيا، إلا أنه مفسر للقرآن و عليه أن يعقد المقارنة بين ما وصل إليه و بين ما جاء به القرآن عن ذي القرنين أو عن الملك كورش.. إذ أن هذا يعتبر الفيصل في الموضوع لدي المفسر المؤمن بالقرآن.. و يقول أزاد : أنه لم توجد مصادر فارسية يمكن الاعتماد عليها في هذا، و لكن الذي أسعفنا هو الكتب التاريخية اليونانية، ولعل شهادتها، تكون أوثق و أدعي للتصديق، إذ أن المؤرخين اليونان من أمة كان بينها و بين الفرس عداء مستحكم و مستمر، فإذا شهدوا لكورش فإن شهادتهم تكون شهادة حق لا رائحة فيها للتحيز، و يستشهد أزاد في هذا المقام بقول الشاعر العربي :

و مليحة شـــهدت لها ضراتها ***** و الفضل ما شهدت به الأعداء

فقد أجمعوا علي أنه كان ملكا عادلا، كريما، سمحا، نبيلا مع أعدائه، صعد إلي المقام الأعلى من الإنسانية معهم. و قد حدد أزاد الصفات التي ذكرها القرآن لذي القرنين، و رجع لهذه المصادر اليونانية فوجدها متلاقية تماما مع القرآن الكريم، و كان هذا دليلا قويا آخر علي صحة ما وصل إليه من تحديد لشخصية ذي القرنين، تحديدا لا يرقي إليه شك..

فمن كورش أو قورش إذا ؟

إنه من أسرة فارسية ظهر في منتصف القرن السادس قبل الميلاد في وقت كانت فيه بلاده منقسمة إلي دويلتين تقعان تحت ضغط حكومتي بابل و آشور القويتين، فاستطاع توحيد الدولتين الفارسيتين تحت حكمه، ثم استطاع أن يضم إليها البلاد شرقا و غربا بفتوحاته التي أشار إليها القرآن الكريم، و أسس أول إمبراطورية فارسية، و حين هزم ملك بابل سنة 538 ق.م. أتاح للأسري اليهود فيها الرجوع لبلادهم، مزودين بعطفه و مساعدته و تكريمه. كما أشرنا إلي ذلك من قبل.. و ظل حاكما فريدا في شجاعته و عدله في الشرق حتى توفي سنة 529 ق.م.

سد يأجوج و مأجوج

إنما نسميه بهذا لأنه بني لمنع الإغارات التي كانت تقوم بها قبائل يأجوج و مأجوج من الشمال علي الجنوب، كما يسمي كذلك سد "ذي القرنين" لأنه هو الذي أقامه لهذا الغرض.. و يقول أزاد : " لقد تضافرت الشواهد علي أنهم لم يكونوا إلا قبائل همجية بدوية من السهول الشمالية الشرقية، تدفقت سيولها من قبل العصر التاريخي إلي القرن التاسع الميلادي نحو البلاد الغربية و الجنوبية، و قد سميت بأسماء مختلفة في عصور مختلفة، و عرف قسم منها في الزمن المتأخر باسم "ميغر" أو "ميكر" في أوروبا.. و باسم التتار قي آسيا، و لاشك أن فرعا لهؤلاء القوم كانوا قد انتشروا علي سواحل البحر الأسود في سنة 600 ق.م.

و أغار علي آسيا الغربية نازلا من جبال القوقاز، و لنا أن نجزم بأن هؤلاء هم الذين شكت الشعوب الجبلية غاراتهم إلي "كورش" فبني السد الحديدي لمنعها"، و تسمي هذه البقعة الشمالية الشرقية ( الموطن الأصلي لهؤلاء باسم "منغوليا " و قبائلها الرحالة "منغول"، و تقول لنا المصادر اليونانية أن أصل منغول هو "منكوك" أو "منجوك" و في الحالتين تقرب الكلمة من النطق العبري "ماكوك" و النطق اليوناني "ميكاك" و يخبرنا التاريخ الصيني عن قبيلة أخري من هذه البقعة كانت تعرف باسم "يواسي" و الظاهر أن هذه الكلمة ما زالت تحرف حتى أصبحت يأجوج في العبرية.. " و يقول : " إن كلمتي : " يأجوج و مأجوج " تبدوان كأنهما عبريتان في أصلهما و لكنهما في أصلهما قد لا تكونان عبريتين، إنهما أجنبيتان اتخذتا صورة العبرية فهما تنطقان باليونانية "كاك Gag" و "ماكوك Magog" و قد ذكرتا بهذا الشكل في الترجمة السبعينية للتوراة، و راجتا بالشكل نفسه في سائر اللغات الأوروبية ". و الكلمتان تنطقان في القرآن الكريم بهمز و بدون همز. و قد استطرد أزاد بعد ذلك لذكر الأدوار السبعة أو الموجات السبع التي قام بها هؤلاء بالإغارة علي البلاد الغربية منها و الجنوبية.

مكان السد :

ثم يحدد مكان السد بأنه في البقعة الواقعة بين بحر الخرز "قزوين" و "البحر الأسود" حيث توجد سلسلة جبال القوقاز بينهما، و تكاد تفصل بين الشمال و الجنوب إلا في ممر كان يهبط منه المغيرون من الشمال للجنوب، و في هذا الممر بني كورش سده، كما فصله القرآن الكريم، و تحدثت عنه كتب الآثار و التاريخ. و يؤكد أزاد كلامه بأن الكتابات الأرمنية – و هي كشهادة محلية – تسمي هذا الجدار أو هذا السد من قديم باسم " بهاك غورائي" أو "كابان غورائي" و معني الكلمتين واحد و هو مضيق "غورش" أو "ممر غورش" و "غور" هو اسم "غورش أو كورش". و يضيف أزاد فوق هذا شهادة أخري لها أهميتها أيضا و هي شهادة لغة بلاد جورجيا التي هي القوقاز بعينها. فقد سمي هذا المضيق باللغة الجورجية من الدهور الغابرة باسم " الباب الحديدي ".

و بهذا يكون أزاد قد حدد مكان السد و كشف المراد من يأجوج و مأجوج.. و قد تعرض لدفع ما قيل أن المراد بالسد هو سد الصين، لعدم مطابقة مواصفات سد الصين لمواصفات سد ذي القرنين و لأن هذا بني سنة 264 ق.م. بينما بني سد ذي القرنين في القرن السادس قبل الميلاد. كما تعرض للرد علي ما قيل بأن المراد بالسد هو جدار دربند، أو باب الأبواب كما اشتهر عند العرب بأن جدار دربند بناه أنوشروان ( من ملوك فارس من 531 – 579 م ) بعد السد بألف سنة، و أن مواصفاته غير مواصفات سد ذي القرنين و هو ممتد من الجبل إلي الساحل ناحية الشرق و ليس بين جبلين كما أنه من الحجارة و لا أثر فيه للحديد و النحاس.


صورة لخريطة تبين مكان سد ذو القرنين كما ذكره آزاد
و على ذلك يكون المقصود بالعين الحمئة هو الماء المائل للكدرة و العكارة وليس صافيا. و ذلك حين بلغ الشاطيء الغربي لآسيا الصغري و رأي الشمس تغرب في بحر إيجه في المنطقة المحصورة بين سواحل تركيا الغربية شرقا و اليونان غربا وهي كثيرة الجزر و الخلجان.
والمقصود بمطلع الشمس هو رحلته الثانية شرقا التي وصل فيها إلي حدود باكستان و أفغانستان الآن ليؤدب القبائل البدوية الجبلية التي كانت تغير علي مملكته. و المراد ببين السدين أي بين جبلين من جبال القوقاز التي تمتد من بحر الخزر ( قزوين ) إلي البحر الأسود حيث إتجه شمالا. و لقد كان أزاد بهذا البحث النفيس أول من حل لنا هذه الإشكالات التي طال عليها الأمد ، و حيرت كل المفكرين قبله. و حقق لنا هذا الدليل ، من دلائل النبوة الكثيرة.. رحمه الله و طيب ثراه..



بحث عن ذو القرنين 
Read more

Delete this element to display blogger navbar